مجمع البحوث الاسلامية

189

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أو الانتصار عليه ، من خلال إحراز التّفوّق أو الغلبة ، بل هو يهدف الدّخول إلى عمق أفكاره وروحه ، لهذا فإنّ أسلوب المجادلة بالتّي هي أحسن يختلف كلّيّا عن الجدال السّلبيّ أو الباطل . ولكي يؤثّر الطّرف المجادل معنويّا على الطّرف الآخر ، عليه الاستفادة من الأساليب الآتية الّتي أشار إليها القرآن الكريم بشكل جميل : 1 - ينبغي عدم الإصرار على الطّرف المقابل بقبول الكلام على أنّه هو الحقّ ، بل على المجادل إذا استطاع أن يجعل الطّرف المقابل يعتقد بأنّه هو الّذي توصّل إلى هذه النّتيجة ، وهذا الأسلوب سيكون أكثر تأثيرا . بعبارة أخرى : من المفيد للطّرف المقابل أن يعتقد بأنّ النّتيجة أو الفكرة نابعة من أعماقه وهي جزء من روحه ، كي يتمسّك بها أكثر ويذعن لها بشكل كامل . وقد يكون هذا الأمر هو سرّ ذكر القرآن للحقائق المهمّة كالتّوحيد ونفي الشّرك وغير ذلك على شكل استفهام ، أو أنّه بعد أن ينتهي من استعراض وذكر أدلّة التّوحيد يقول : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ النّمل : 60 . 2 - يجب الامتناع عن كلّ ما يثير صفة العناد واللّجاجة لدى الطّرف الآخر ؛ إذ يقول القرآن الكريم : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الأنعام : 108 كي لا يصرّ هؤلاء على عنادهم ويهينوا الخالق جلّ وعلا بتافه كلامهم . 3 - يجب مراعاة منتهى الإيضاح في النّقاش مع أيّ شخص أو أيّ مجموعة ، كي يشعر الطّرف المقابل بأنّ المتحدّث إليه يبغي حقّا توضيح الحقائق لا غير ، فعندما يتحدّث القرآن عن مساوئ الخمر والقمار ، فهو لا يتجاهل المنافع الثّانويّة المادّيّة والاقتصاديّة الّتي يمكن أن يحصل عليها البعض منهما ، فيقول : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما البقرة : 219 ، إنّ هذا الطّراز من الحديث يحمل آثارا إيجابيّة كبيرة على المستمع . 4 - يجب عدم الرّدّ بالمثل حيال المساوئ والأحقاد الّتي قد تطفح من الخصم ، بل يجب سلوك طريق الرّأفة والحبّ والعفو ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا ؛ إذ إنّ الرّدّ بهذا الأسلوب الودود يحمل في مثل هذه الحالات تأثيرا كبيرا على معنويّات الطّرف الآخر ونفسيّته ، وقد يدفع إلى تليين قلوب الأعداء المعاندين ، كما يقول القرآن الكريم ويحثّ على ذلك : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فصّلت : 34 . إنّ الخلاصة الّتي يمكن أن ينتهي إليها القول ، هي أنّ أيّ بحث متأمّل وفاحص في أسلوب نقاشات الأنبياء عليهم السّلام مع الأعداء والظّالمين والجبّارين ، كما يعكسها القرآن الكريم ، أو كما تعكسها تلك المناظرات العقائديّة بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو أئمّة أهل البيت المعصومين وبين أعدائهم وخصومهم ، ينتهي إلى دروس تربويّة في هذا المجال تطوي في تضاعيفها أدقّ الأساليب والوسائل النّفسيّة الّتي تسهّل لنا النّفوذ إلى أعماق الآخرين . وبهذا الخصوص ينقل العلّامة المجلسيّ في « بحار الأنوار » « 1 » رواية مفصّلة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) 9 : 257 .